فخر الدين الرازي

147

تفسير الرازي

والقول الثاني : أن المراد تبديل الذات . قال ابن مسعود : تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة ، فهذا شرح هذين القولين ، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله : * ( يوم تبدل الأرض ) * المراد هذه الأرض ، والتبدل صفة مضافة إليها ، وعند حصول الصفة لا بد وأن يكون الموصوف موجوداً ، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل ، ولا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل ، وإلا لامتنع حصول التبدل ، فوجب أن يكون الباقي هو الذات . فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية ، والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون : إن عند قيام القيامة لا يعدم الله الذوات والأجسام ، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها . واعلم أنه لا يبعد أن يقال : المراد من تبديل الأرض والسماوات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم ، ويجعل السماوات الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ) * ( المطففين : 18 ) وقوله : * ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ) * ( المطففين : 7 ) والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وبرزوا لله الواحد القهار ) * فنقول أما البروز لله فقد فسرناه في قوله تعالى : * ( وبرزوا لله جميعاً ) * وإنما ذكر الواحد القهار ههنا ، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكال الأمر في غاية الصعوبة ، ونظيره قوله : * ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) * ( غافر : 16 ) ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهاراً بين عجزهم وذلتهم ، فقال : * ( وترى المجرمين يومئذ ) * . واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أموراً : فالصفة الأولى : كونهم مقرنين في الأصفاد . يقال : قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته . والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان . وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد . إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : * ( مقرنين ) * ثلاثة أوجه : أحدها : قال الكلبي : مقرنين كل كافر مع شيطان في غل ، وقال عطاء : هو معنى قوله : * ( وإذا النفوس زوجت ) * ( التكوير : 70 ) أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا ، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته ، أو ما فعل ذلك ، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية ، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية ، والسعادة